كلمة المحرر

داخل صورة الغلاف: سلسلة من النافذة لجميل الثبيتي *

عندما نشرت العدد الأول من وَرد على الإنترنت في 2017، لم تكن لدي خارطة واضحة أو استراتيجية طويلة المدى لقيادتها. ما كان (ولا زال) يدفعني حينها هو شعور مستمر من الإحباط. لم يكن منطقيًا بالنسبة لي أن الفنانين من حولي في تبوك، وفي مختلف المدن والبلدات الصغيرة في السعودية، بدوا غائبين عن السردية الثقافية التي كانت تتشكّل في المدن الرئيسة. كان المشهد الفني الذي يُبنى ويُمول في هذه المدن يمضي قدمًا من دونهم، كما لو أنهم خارج إطاره. وما كان يطاردني حينها هو خوف من أن تُنسى أعمالهم، فقط بسبب الأماكن التي ينتمون إليها.

حينها أصبح الإنترنت مساحة لوَرد، إذ أعطاها وعدًا ثابتًا في ظل غياب الدعم المؤسسي أو البنية المادية ومنحها مسارًا بديلًا يمكن من خلاله أن تظهر الأصوات المهمشة وتوثق وفق شروطها الخاصة. وقد أوفى بهذا الوعد ومنح وَرد موطنًا لها والمواد الخام اللازمة لإصدار 27 عددًا رقميًا، بما في ذلك هذا العدد. ضمّت جميعها أعمال أكثر من 100 فنان من مختلف أنحاء السعودية، بغض النظر عن جنسياتهم أو أعمارهم أو مستويات خبرتهم، ورغم الظروف التي أبقت أعمالهم بعيدة عن الاعتراف بها أو إعطائها الدعم التي تحتاجه وتستحقه.

يبدأ هذا العدد بسؤال وخوف لازماني لسنوات: كيف نتذكر؟ تعد وَرد محاولةً للاحتفاظ بالذاكرة، خصوصًا من خلال عدسات وتجارب أولئك الذين دُفعوا إلى الهامش. لذلك أصبحت أشبه بأرشيفٍ حي، مرآة تلتقط لمحات من مشاهدنا الفنية واحتياجاتها المتغيرة.

يعود الإنترنت هنا، مرةً أخرى، بوصفه المحرّك الذي جعل كل ذلك ممكنًا بسهولة لافتة. لكن البنية ذاتها التي تمكّن وَرد من الوصول إلى الفنانين، بغضّ النظر عن الأماكن التي يعيشون فيها، شديدة الهشاشة بالأصل؛ فالأعداد الرقمية، والمنشورات، وصفحات الويب، ونماذج التقديم، كلها عرضة للفقد أو المحاسبة، سواء بسبب الرقابة، أو المراقبة، أو حتى بفعل شيء مفاجئ وعشوائي كصاروخ.

يفقد التذكر هنا طبيعته الحيادية، ويصبح فعلًا سياسيًا لا يمكن ضمانه بالكامل. ما الذي يُتذكَّر؟ ومن يُسمح له أن يتذكّر؟ وكيف تُبنى هذه الذكريات؟ جميعها تتحوّل إلى أدواتٍ للسلطة. وأمام هذه الهشاشة، أفقد اهتمامي بتوثيق كل عمل فني يظهر في السعودية ضمن هذا العدد، وأجدني أكثر اهتمامًا بدراسة المنطق الذي يحدّد ما الذي يُحفظ، وما الذي يُمحى حتمًا. ولهذا أصر وأتمسك بوَرد. فهي ما تساعدني على التذكر.

أجريت المقابلات الواردة هنا عبر الإنترنت أو زيارات خاصة، واستقبلت المشاركات ونشرت بشكل تدريجي. كان هذا النهج تجربةً ومحاولة لإيجاد صيغة تُبقي مجتمع وَرد الإبداعي حيًا، وتواصل بها تسليط الضوء على ممارساته، مع إفساح المجال أيضًا للتحولات والمتطلبات المتزايدة في حياتي الشخصية. وهي أمور أدّت أحيانًا إلى توقف عن النشر (أحيانًا تستمر لفترة قصيرة، وفي كثير من الأوقات تكون أطول مما ينبغي). كنت في السابق أقاومها، أما الآن أجد نفسي مستسلمًا لها وأراها جزءًا من الإيقاع الذي يحمل المنصة ككل. سواء عبر حفظ ملامح الأمكنة في أحياء جدة، أو توثيق اللغة البصرية للافتات ولوحات الرياض، أو تصوير أجيال من سكان تبوك، أو تتبع آثار الطفولة في ينبع، فإن كل مساهمة في هذا العدد تتساءل عن ماهية الذاكرة، وكيف تُشكل وتُحفظ.

!قراءة ممتعة، ودمتم بخير

خالد القحطاني 

المؤسس ورئيس التحرير

Khaled AlqahtaniComment