عن فن الأداء والجسد: مقابلة مع سارة إبراهيم

000000430006 (1).jpg

الصورة بعدسة ڤي سن ترنه

سارة إبراهيم فنانة وراقصة شغوفة بابتكار مشاريع باستخدام خامات مختلفة ومع فنانين مختلفين. نشأت سارة في بورتلاند في ولاية أوريجون الأمريكية، حيث تعلمت الرقص والجاز والباليه منذ أن كانت طفلة. تعلمت سارة الرقص وفن الأداء بشكل احترافي وأكاديمي في معهد سان فرانسيسكو الموسيقي للرقص ومعهد لندن للرقص المعاصر.

تهدف مشاريع وأعمال سارة إلى التبحر في اكتشاف الجسد وحركته باستخدام خامات كالڤيديو، والتصوير، والنحت، وغيرها. تستخدم أيضًا سارة الجسد والمساحة التي يأخذها كخامة رئيسية في أعمالها لتتطرق إلى مواضيع تاريخية مختلفة في التجربة الإنسانية حول العالم.


كيف شكلت نشأتك والبيئة المحيطة بك اهتمامك بفن الأداء؟

كنت محظوظة بأم مبدعة وعظيمة كانت حريصة على سماعي وسماع احتياجاتي. لاحظت أمي عندما كنت طفلة بأني أعاني من إيجاد شيء أستخدمه في التعبير عن نفسي. لذلك بدأت تسجيلي في جلسات مخصصة للموسيقا والرقص منذ أن كنت بالثالثة من عمري. تصرفي بشكل عام بعد هذه التجربة تغير بشكل جذري، وكنت أشعر بشعور رائع عندما أكون في بيئات إبداعية تشجع على التركيز والانضباط كالتي وفرتها تلك الجلسات. بعد هذه الجلسات حظيت بفرصة التدريب مع مدربين حرصوا على تعليمي كل شيء عن تاريخ أساليب الرقص وتعريفي على مدربين آخرين في مدن أخرى. لذلك عندما كنت طفلة تدربت في مجالات مختلفة في فن الأداء كالمسرح والرقص والموسيقا في بيئة تنافسية.

عندما كنت في الرابعة عشر من عمري، بدأت بتصميم أساليب رقص خاصة فيني وتدريس جلسات رقص. كما بدأت بالعمل في شركتي رقص محلية في مدينة بورتلاند. عملت تلك الشركات على عرض تعاوني أقام جولات مختلفة في مهرجانات فنية في المملكة المتحدة. أتاحت لي تلك الرحلة كمشاركة في العرض التعرف على أسلوب الحياة المختلف لفنان الأداء. كانت هناك أعمال وعروض رائعة تعرض حولي أثناء جولتي عرفتني على روعة هذا النوع من الفنون. بعد أن وصلنا إلى آخر محطة في جولتنا في المملكة المتحدة في لندن عرفت تمامًا أنني أود أن أعمل بشكل احترافي في هذا المجال الفني.

كان تدريبي الاحترافي في الرقص مشابهًا للراقصين الآخرين الذين نشأوا في الولايات المتحدة. اعتدت أن أحضر بعد خروجي من المدرسة ٤ إلى ٥ جلسات في الباليه والجاز والرقص المعاصر وغيرها، وأعود المنزل حوالي الساعة ١٠ مساءً كل ليلة. كنت أخصص نهايات الأسبوع للتدريب للمنافسات والمسابقات. قبل تخرجي من المرحلة المتوسطة تم قبولي في معهد سان فرانسيسكو الموسيقي للرقص، والذي أتاح الفرصة للراقصين الذي تبلغ أعمارهم بين ١٤ و٢٥ التدريب في فترة الصيف. المدربون والمعلمون الذين قابلتهم في ذلك البرنامج الصيفي أثروا على تعليمي بشكل عميق لأنهم كانوا دائمًا يفكرون بشكل إبداعي حول استخدام الجسد كأداة للتعبير والتواصل. شعرت بأنه لا توجد أي حدود لاستخدام الجسد بهذه الطريقة. كنا ندفع أنفسنا وأجسادنا للعمل بشكل يومي. كنا نعرق ونبكي ونبني ثقة بيننا لنأخذ مخاطرات أكبر كل يوم.

صادف آخر صيف في هذا المعهد الموسيقي انتهائى من سنتي الأخيرة في جامعة أوريجون للصحة والعلوم. شعرت حينها أنني تعلمت في الجامعة عن الجسد بشكل علمي وأكاديمي، وأنه حان الوقت الآن إلى تطبيق ما تعلمته في عالم فن الأداء. اقترح على أحد المشرفين أن أقدم على برنامج معهد لندن للرقص المعاصر. بعد أن قابلت المعلمين والمشرفين في هذا البرنامج اقتنعت بمهمتهم وانتقلت للسكن في لندن عندما بلغت العشرين من عمري لأدرب وأفهم جسدي في بيئة مختلفة عن البيئة التي نشأت فيها.

paintedhills-sartar-44.jpg

بورتريه ذاتي

هل هناك أعمال فنية أو عروض ألهمتك على دراسة وامتهان فن الأداء، وخصوصًا الرقص، بشكل أكاديمي وإبداعي؟

هناك العديد من الفنانين الذين ساهموا في تشكيل فهمي وشغفي لهذا المجال الإبداعي. مشاهدة عروض تشنكي موڤ وكرستل بايت على سبيل المثال كان أمرًا لا يصدق. كما كان للبرنامج الصيفي في المعهد سان فرانسيسكو الموسيقي للرقص والمعلمين هناك كألكس كتلي وسمر ليي راتقيان وكرستيان برنز أثر كبير في تحفيزي لفهم الجسد وفن الأداء. هؤلاء فقط بعض الأشخاص الذين حفزني إيمانهم بأن الحركة والرقص أدوات مهمة لفهم الجسد، والموسيقا، والعالم الذي نسكنه.

قد يكون الإنصات أحد أهم الأشياء التي تعلمتها من هؤلاء المعلمين. وأعني هنا الإنصات للجسد، وللمكان الذي تسكنه، ولإيقاع التنفس والنبض، وللأشخاص من حولك. يؤدي الإنصات لهذه الأشياء إلى فتح الباب للدهشة والفضول.

sarahjuly2018edited-39.jpg

صورة لسارة بعدسة ميا كرس

تستخدمين الجسد كالخامة الرئيسية في مشاريعك وأعمالك المختلفة. كيف أتاح لك استخدام خامة كهذه على التعبير عن مواضيع مختلفة؟

أؤمن أن الجسد مصدر لانهائى للإلهام. استخدام هذه الخامة يتيح لي فرصة التواصل مع كل الناس لأن الجسد والحركة لغات عالمية يفهمها الكل. كما تسمح أيضًا هذه الخامة على التعبير بشكل تجريدي.

تأتي الموضيع التي أتطرق إليها في أعمالي من الأشياء التي كان لها تأثير كبير على حياتي. آخر أعمالي على سبيل المثال كانت إلهامها الحزن والألم عندما يصيبان الجسد. كان من المهم لي فهم هذا الألم في جسدي بشكل خاص بالطبع. لكن ما تعلمته من هذه التجربة أنني وجدت ضالتي في الأعمال الفنية والموسيقا والنصوص التي تتطرق لهذا النوع من الألم. شعرت بعد التعمق في هذه الأعمال بأني أن أود أن أساهم بها أيضًا.

ماهيتنا خارج الظلام

فن الأداء ليس غريبًا على المشهد الفني في السعودية. لكن الاهتمام بالأعمال الفنية للنساء في هذا المجال يعتبر حديثًا بشكل نسبي. كيف لاحظتِ الاختلاف بين ردة فعل الجماهير لأعمالك محليًا وعالميًا؟ ما الأعمال التي تعتقدين أنها لن تُفهم بشكل كامل إلا إذا تم عرضها في السعودية؟

ردة فعل الجمهور محليًا كانت جيدة عندما شاركت معهم أفلامي التجريبية. أعتقد أن هناك عطش وحاجة ماسة في المنطقة لسرد القصص باستخدام خامات مختلفة كالأداء، والمسرح، والموسيقا، والكتابة، والفنون البصرية. هذا العطش غير حاليًا المجرى الفني بشكل كبير في المشاهد الفنية حول العالم العربي.

عرضت أعمالي في السعودية للمرة الأولى في ديسمبر ٢٠١٩ م في مؤسسة سدرة. تحدثت وقتها عن إحدى أفلامي تحت عنوان المساحة بين التي تطرقت خلالها إلى تجربة الرقص والجسد كأدادة عابرة للحدود. حاولت حينها أن أختبر صبر الجمهور. لم تكن لدي أي توقعات حول ردة فعل الجمهور. بالنهاية كانت ردة الفعل جميلة للغاية. سأل الحضور أسئلة عميقة ساهمت ببدء حوارات لم أحظى بها من قبل في أي مهرجان فني من قبل. أتذكر بشكل خاص رجلًا كبيرًا بالسن أخبرني بأنه أثناء مشاهدته للفيلم شعر بأن جسده اختفى وأنه كان يتحرك من خلال حركاتي في الفيلم. كان هذا التعليق من أجمل الأشياء التي قيلت عن أعمالي من قبل، ولن أنسى أبدًا هذه اللحظة.

فيلم المساحة بين

اذكري لنا بعضًا من أعمالك الخاصة المفضلة. ما الذي يجعلها قريبة من قلبك؟

صراحة لا أفكر في أعمالي الخاصة عندما يسألني شخص عن أعمالي المفضلة. يطرأ على بالي أعمال أصدقائى وزملائي كمهند شونو، وأيمن زيداني، وجاليسا جونستون. شاركني هؤلاء الفنانون مشاريع وأفكار أعتبرها قريبة من قلبي.

DanceoftheOliveTreeandtheWind5.jpg

ملصق فيلم رقص شجر الزيتون في الريح بالتعاون مع محمد الفرج

ما المستقبل التي تتنبئين به لفن الأداء في السعودية والخليج؟ ما الأدوات التي تعتقدين أننا بحاجة إليها لتحقيق رؤية هذا المستقبل؟ 

أود أن أساهم بإنشاء مركز لفن الأداء في المستقبل القريب. سوف تسمح مساحة كهذه إلى بدء مشاريع إبداعية مختلفة ومشاركتها مع جماهير مختلفة. كما تفتح أبوابها إلى مؤدين من مختلف أنحاء العالم للتدريب والابتكار وغيرها. كما أود أن يستضيف المركز أشخاص من خلفيات مهنية وأكاديمية مختلفة كالعلوم والفنون والأدب لبدء حوارات مهمة عن الجسد والحركة في الفنون. وأخيرًا أود أن تؤدي هذه المساهمات إلى مجلة مخصصة لتوثيق وأرشفة هذه الأعمال والمشاريع.

عكس التيار


تابعوا سارة على إنستقرام وزوروا موقعها للاطلاع على مزيدٍ من أعمالها.